فيما تتباهى لاردة (ييدا) بتسجيلها أدنى معدل بطالة في كتالونيا وبلوغها رقماً قياسياً تاريخياً في عدد العمال، ينام مئات العمال الموسميين الذين يعملون في قطاف الفاكهة في حقول لاردة تحت السماء المفتوحة في شوارع المدينة. اضطرت بلدية لاردة (لا باريّا) إلى تفعيل جهاز طوارئ في الجناح الرابع من معرض لاردة خلال شهر أغسطس، لمعالجة ما تصفه البلدية نفسها بـ”الوضع الاستثنائي”. المفارقة قاسية: لم يكن هناك قط هذا الكم من الوظائف في المقاطعة، لكن لم تكن مشكلة نقص المساكن لمن يجعلون حملة قطف الفاكهة ممكنة، والذين تدعم الاقتصاد المحلي، بهذا الوضوح من قبل.

جناح الطوارئ: حل مؤقت

جهاز الاستقبال، الذي سيُفعّل لمدة خمسة عشر يوماً في ذروة شهر أغسطس، ليس إجراءً هيكلياً بل رقعة مؤقتة. الجناح الرابع في معرض لاردة سيفتح أبوابه خلال هذه الفترة لإيواء العمال الموسميين الذين لا يجدون مكاناً للنوم في خضم حملة قطف الفاكهة. القرار، وفقاً لما أوردته صحيفة “سيغري”، جاء استجابةً لـ”فيضان العمال الذين ينامون تحت السماء المفتوحة” الذي شهدته الأسابيع الأخيرة.

الوضع ليس جديداً، لكنه بلغ هذا العام مستويات حرجة. الوصول المكثف للعمال الموسميين لحملة الفاكهة، التي تركز تقليدياً أعلى طلب على العمل في المقاطعة خلال العام، فاق قدرة المدينة الاستيعابية للإقامة. دور الإيواء البلدية والنزل الاقتصادية تعاني من الاكتظاظ منذ أسابيع، وعرض المساكن للإيجار بأسعار معقولة شبه معدوم عملياً.

البلدية، التي يحكمها الاشتراكي فيليكس لاروسا، تعترف بأن هذا إجراء استثنائي. لكن الاستثنائية تتكرر كل صيف، والسؤال الذي يلوح في الأفق هو ما إذا كانت الإدارة المحلية تبذل ما يكفي لاستباق ظاهرة يمكن التنبؤ بها تماماً.

صورة العار: كوخ صغير بجوار “السودا”

في الوقت الذي تعلن فيه الحكومة البلدية عن خطتها للاستقبال، يفرض الواقع نفسه بقسوة في قلب المدينة الأثري. مجموعة من الأشخاص بلا مأوى، بينهم عمال موسميون وصلوا إلى لاردة للعمل في الفاكهة، يحتّلون كوخاً صغيراً في الساحة بجوار “السودا”، على تل “سيو فيّا” (الكاتدرائية القديمة). الصورة، التي التقطتها صحيفة “لا مانيانا”، تظهر البؤس الشديد لمن، رغم حصولهم على عمل، لا يستطيعون تحمل تكاليف سقف يؤويهم.

الموقع ليس صدفة. تل “سيو فيّا” هو رمز لاردة، وأهم معالمها السياحية، وفخر سكانها. أن تنام عشرات الأشخاص في محيطه، على مرأى من الزوار والجيران، هو تذكير مزعج بأن الازدهار الاقتصادي لا يصل للجميع بالتساوي.

هؤلاء الأشخاص، ومعظمهم مهاجرون قطعوا مئات الكيلومترات للعمل في حقول لاردة، يواجهون ظروف عمل، رغم قانونيتها، لا تضمن لهم حياة كريمة. الأجر الذي يتقاضونه مقابل قطف الفاكهة قد يصل إلى مبلغ يومي في نوبات عمل تصل إلى عشر ساعات، وهو غير كافٍ للحصول على سكن في سوق عقارات مضغوط بالطلب السياحي ونقص العرض العام.

سراب المعطيات الاقتصادية الكلية

في نفس اليوم الذي نُشر فيه خبر توسيع جهاز الاستقبال، نشرت صحيفة “سيغري” أن لاردة تزيد عدد العمال، لتصل إلى رقم قياسي في أعداد المشتغلين، وأن معدل البطالة يتراجع ليصبح الأدنى في كتالونيا. هذه أرقام تحسد عليها أي مدينة، ولا يتردد العمدة لاروسا في استخدامها كحجة على حسن الإدارة.

لكن هذه المعطيات الاقتصادية الكلية تخفي واقعاً أكثر تعقيداً. الوظائف التي تُخلق في لاردة هي، إلى حد كبير، موسمية وهشة. حملة الفاكهة تركز الجزء الأكبر من التعاقدات في أشهر الصيف، لكن هذه الوظائف تختفي بمجرد انتهاء القطاف. العمال الموسميون، ومعظمهم من المهاجرين من أصل مغاربي أو من أفريقيا جنوب الصحراء أو من أوروبا الشرقية، يُجبرون على التنقل من حملة إلى أخرى، دون استقرار أو جذور.

المشكلة ليست فقط في السكن، بل في النموذج الإنتاجي. لاردة تعتمد بشكل مفرط على قطاع زراعي يحتاج إلى عمالة كثيفة لبضعة أشهر في السنة، لكنه لا يقدم ظروفاً تسمح للعمال بالاستقرار بشكل دائم. ما لم يتم معالجة هذه المسألة الجوهرية، فإن حلول الطوارئ مثل جناح معرض لاردة ستظل رقعاً مؤقتة لا تحل المشكلة الهيكلية.

المسؤولية السياسية: بين الإدارة والتغاضي

الحكومة البلدية لفيليكس لاروسا اختارت حلاً عاجلاً، لكن المعارضة، خاصة من صفوف حزبي “فوكس” و”الحزب الشعبي”، لم تتردد في الإشارة إلى التناقضات. بالنسبة لناخبي هذين الحزبين، صورة العمال الموسميين وهم ينامون في الشارع هي دليل على فشل سياسة الهجرة للحكومة المركزية والإقليمية.

لكن الواقع أكثر دقة. الهجرة ضرورية لحقول لاردة؛ بدون العمال الموسميين الأجانب، ستكون حملة الفاكهة مستحيلة. المشكلة ليست في قدومهم، بل في أن النظام غير مستعد لاستقبالهم بكرامة. نقص المساكن العامة، المضاربة العقارية، وهشاشة العمل هي مشاكل قديمة لم تعالجها أي حكومة بجدية.

العمدة لاروسا، الذي احتفل مؤخراً بخروج لاردة من منطقة الإيجار المضغوطة (المحددة الأسعار)، يواجه الآن دليلاً على أن هذا القرار لم يحل مشكلة الوصول للسكن لأكثر الفئات ضعفاً. الخروج من منطقة الإيجار المضغوطة، الذي كان يسمح بالحد من أسعار الإيجار، قوبل بالترحيب من الملاك لكنه انتُقد من قبل الجماعات الاجتماعية، التي حذرت من أنه بدون إجراءات بديلة، سيستمر السوق في استبعاد من يملكون أقل القليل.

ما بعد الجناح: تأمل للمستقبل

جهاز الجناح الرابع في معرض لاردة ضروري، لكنه غير كافٍ. “الوضع الاستثنائي” الذي تستحضره البلدية يتكرر كل عام، والسؤال هو ما إذا كانت الإدارة المحلية مستعدة لتحويل الاستثناء إلى قاعدة.

لاردة بحاجة إلى خطة استقبال شاملة للعمال الموسميين تتضمن سكناً لائقاً وخدمات اجتماعية ووساطة عمل. كما تحتاج إلى سياسة إسكان لا تقتصر على تحرير السوق، بل تدفع نحو بناء مساكن عامة وتحمي المستأجرين من المضاربة.

وإلى أن يحدث ذلك، سيظل العمال الموسميون ينامون في أكواخ بجوار “سيو فيّا”، وسيظل سكان لاردة يرون التناقض بين العناوين المنتصرة والواقع في الشارع. حملة الفاكهة القادمة ستأتي بعد عام، وإذا لم تُتخذ إجراءات الآن، فسنقرأ نفس الخبر مرة أخرى: لاردة توسع جهاز استقبال للعمال الموسميين بلا مأوى. سيتحول الاستثناء إلى عادة، وهذا، بالنسبة لمدينة تتباهى بأنها عاصمة البرانس، هو فشل جماعي لا يمكن لأي معطى اقتصادي كلي أن يجمّله.