سرقة كابلات نحاسية تشل حركة قطاري “R13” و”R14” بين لاريدا وتاراغونا وتتسبب بحرائق وأضرار جسيمة تعطلت حركة خطي القطارات “R13” و”R14” التابعين لشبكة “روداليس” (القطارات الإقليمية) منذ صباح الثلاثاء إثر سرقة كابلات نحاسية في المقطع الواصل بين مدينتي لاريدا ولا بلانا-بيكاموشنس (تاراغونا)، مما أدى إلى تقطع السبل بمئات المسافرين وإشعال حرائق وإلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية للسكك الحديدية. وبينما يتنافس عمدة لاريدا السابق ميكيل بويو (من الحزب الجمهوري اليساري) وخلفه فيليكس لاروسا (من الحزب الاشتراكي) على الإعلان عن “شواطئ نهر سيجري” ومشاريع ترفيهية صيفية، ينزف العمود الفقري الذي يربط لاريدا بالممر المتوسطي وبقية إسبانيا بسبب غياب المراقبة الأمنية. هذه الحادثة ليست معزولة، بل تمثل التحذير الأحدث ضمن سلسلة طويلة من الدلالات على أن إسبانيا الحقيقية التي تحتاج إلى بنية تحتية موثوقة تُضحى بها على مذبح الدعاية المحلية.

التخريب الصامت: أرقام وتفاصيل ضربة قاسية للتنقل أفادت شركة “أديف” (مدير البنية التحتية للسكك الحديدية) بأن سرقة الكابلات النحاسية وقعت في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء على المقطع الواقع بين محطتي لاريدا ولا بلانا-بيكاموشنس، وهي منطقة استراتيجية تربط عاصمة منطقة سيجري بشبكة تاراغونا ومنها إلى برشلونة وجنوب إسبانيا. وقد كانت العواقب فورية ومدمرة، حيث تسبب قطع الكابلات في “عدة حرائق” و”أضرار جسيمة بالبنية التحتية”، وفق البيان الرسمي لشركة “أديف” الذي نقلته صحيفة “لا مانيانا”. وتوقفت حركة القطارات على خطي “R13” و”R14” دون تحديد موعد لاستئنافها، دون أن تحدد الشركة موعدًا لإعادة التشغيل. وتتحدث الأرقام عن نفسها: يربط خط “R13” مدينة لاريدا بتاراغونا عبر مدينة باييس، ويتوقف في بلديات مثل باي-ليوك دي أورخيل، وموليروسا، وغولميس، وكاستيونو دي سينا، وبيلبويغ، وتاريغا، وسيربيرا، ومونتبلانك، ولا بلانا-بيكاموشنس. أما خط “R14” فيصل لاريدا ببرشلونة عبر تاراغونا. وهما خطان حيويان لآلاف العمال والطلاب والسكان الذين يعتمدون على القطار في تنقلاتهم اليومية. ولا يقتصر تأثير التعطيل على حركة الأفراد فحسب، بل يشلّ العمليات اللوجستية للشركات الصغيرة، ويقطع الوصول إلى الخدمات الصحية في العاصمة، ويؤثر على ربط مناطق مثل أورخيل وسيغارا وكونكا دي باربيرا ببقية أنحاء إقليم كتالونيا.

حرائق وأضرار هيكلية: التكلفة الحقيقية للنحاس المسروق لا تعد سرقة الكابلات النحاسية جريمة بسيطة. فوفقًا لبيانات شركة “أديف”، تسببت عملية السرقة في حرائق ألحقت أضرارًا جسيمة بالبنية التحتية للسكك الحديدية. ويُعد النحاس، وهو معدن ذو قيمة عالية في السوق السوداء، الهدف المفضل للعصابات المنظمة التي تنشط على خطوط السكك الحديدية. لكن التكلفة الحقيقية لا تكمن في قيمة المواد المسروقة، بل في الأضرار الجانبية: احتراق أنظمة الإشارات، وتدمير الدوائر الكهربائية، والحاجة إلى إصلاحات قد تستمر أيامًا أو أسابيع. ولم تكشف شركة “أديف” عن المدى الدقيق للأضرار، لكن التجارب السابقة تدل على ذلك. فقد تسببت سرقات النحاس في شبكة السكك الحديدية الإسبانية في تراكم ساعات من التأخير في مقاطعة لاريدا، وفقًا لبيانات وزارة الداخلية. وشهدت السنوات الأخيرة ثلاث حوادث مماثلة على الأقل على خط لاريدا-تاراغونا، مع انقطاعات استمرت بين عدة ساعات وأيام. ويُحول غياب المراقبة في المقاطع الريفية وقلة الاستثمار في أنظمة الحماية (مثل الكاميرات الحرارية أو أجهزة استشعار الحركة) خطوط السكك الحديدية إلى هدف سهل للمجرمين.

مفارقة لاريدا: شواطئ من الورق المقابل مقابل خطوط حديد محترقة بينما تشل سرقة النحاس حركة القطارات، تواصل بلدية لاريدا بقيادة الاشتراكي فيليكس لاروسا الترويج لصورة مدينة حديثة ومتصلة. ويتمثل المشروع الصيفي الأبرز، “شواطئ نهر سيجري”، في تجهيز مناطق للسباحة والترفيه على ضفاف النهر، برمال اصطناعية ومظلات ومنقذين. وهي مبادرة، وفقًا للبلدية، ستجذب السياح وتنشط الاقتصاد المحلي. لكن الواقع عنيد: فبينما ينتظر سكان لاريدا لساعات في محطات دون قطارات، يلتقط العمدة الصور مع أطفال يلعبون على ضفاف النهر. التناقض ليس جماليًا فحسب، بل هو سياسي أيضًا. فحكومة إقليم كتالونيا، المسؤولة عن شبكة “روداليس” عبر الشركة العامة “إف جي سي”، لم تعالج منذ سنوات المشكلة الهيكلية لسرقة النحاس. وكان مستشار الأراضي جولاي فيرنانديز (من الحزب الجمهوري اليساري) قد أعلن عن “خطة صدمة” لتحسين الأمن على الخطوط، لكن النتائج معدومة. وفي المقابل، كثفت شرطة “موسوس دي إسكوادرا” دورياتها في النقاط الحرجة، لكن اتساع الشبكة (مئات الكيلومترات في مقاطعة لاريدا وحدها) يجعل المراقبة الفعالة مستحيلة دون استثمار تكنولوجي.

إهمال مؤسسي: إسبانيا الخالية أيضًا لها قطارات ليست سرقة النحاس على خط لاريدا-تاراغونا حادثة معزولة، بل هي عرض من أعراض الإهمال الذي تعاني منه البنى التحتية في إسبانيا الداخلية. فبينما يربط قطار “إي في إي” (القطار فائق السرعة) مدريد ببرشلونة في ثلاث ساعات، تتهاوى خطوط القطارات المحلية والمتوسطة المسافة التي تربط الأقاليم بسبب نقص الصيانة والأمن. ويُعد خطا “R13” و”R14” شريانين حيويين لمناطق مثل أورخيل وسيغارا وكونكا دي باربيرا، حيث يشكل القطار في كثير من الأحيان وسيلة النقل العام الوحيدة المتاحة. ويشكو سكان لاريدا والبلديات المتضررة من هذه الحالة منذ سنوات. وقد جمعت منصة “قطار للجميع” آلاف التوقيعات للمطالبة بتحسينات على خط لاريدا-تاراغونا، تشمل زيادة تواتر القطارات وتعزيز المراقبة على الخطوط. وكانت الردود المؤسسية فاترة: تَعِد شركة “أديف” باستثمارات، وتعلن حكومة كتالونيا عن خطط، وتتبرأ بلدية لاريدا من المسؤولية بدعوى أن الاختصاص وطني. وفي هذه الأثناء، تتكرر سرقات النحاس بوتيرة مقلقة، ويدفع المسافرون الثمن.

مستقبل غامض: إلى متى ستبقى لاريدا منقطعة؟ لا يزال موعد استئناف حركة خطي “R13” و”R14” مجهولاً. لم تحدد شركة “أديف” مواعيد لإصلاح الأضرار، ويواجه المسافرون سيناريو من عدم اليقين قد يمتد لأيام أو أسابيع. وتعتبر وسائل النقل البديلة، مثل الحافلات المكوكية، غير كافية لاستيعاب الطلب، خاصة في ساعات الذروة. وشعور الإهمال واضح في محطات لاريدا وتاريغا وسيربيرا، حيث أصبحت لافتات “الخدمة متوقفة” مشهدًا مألوفًا. السؤال الذي يلوح في الأفق هو: إلى متى ستظل لاريدا الأخت الفقيرة في بنية كتالونيا التحتية؟ بينما يبيع العمدة لاروسا الوهم بشواطئ نهر سيجري وينشغل السياسيون الانفصاليون في نزاعات هوياتية، تظل إسبانيا الحقيقية التي تحتاج إلى قطارات موثوقة ومراقبة فعالة وإدارة مسؤولة للشأن العام تنتظر. إن سرقة النحاس يوم الثلاثاء ليست حادثة، بل هي حكم. ومواطنو لاريدا، مرة أخرى، هم المحكوم عليهم.